شهدت الأسر تحولات ملحوظة في بنيتها على مدى السنوات العشر الماضية، إلى جانب تزايد في التفاعلات المنزلية المتفرقة، ويأتي ذلك نتيجةً الانتشار الواسع للتكنولوجيا وتغيّر الأعراف الاجتماعية. فماذا يخبئ لنا العقد القادم؟
وفقاً لدراسة استقصائية عالمية* أجراها مركز أبحاث السوق لدى كاسبرسكي يرى 81% من المشاركين أنّ التحول الرقمي سيغير طبيعة الأنشطة الترفيهية المشتركة بين أفراد العائلات خلال العقد المقبل. وينبئ هذا التحول بمستقبل تهيمن فيه التكنولوجيا المتقدمة على طبيعة التواصل والعلاقات الأسرية، مما ينشئ عادات وتحديات جديدة.
أصبحت الشاشات جزءًا من الوقت العائلي، لكنها لا تخلو من المخاطر
يتوقع 48% من المشاركين أن تصبح قصص النوم المعتمدة على الذكاء الاصطناعي من الأمور الشائعة بين العائلات، وترتفع هذه النسبة إلى 53% عند المشاركين من الفئة العمرية بين 18-34 عاماً. ففي الوقت الراهن، تقدم التطبيقات قصصاً يرويها الذكاء الاصطناعي، وتتيح للمستخدمين تخصيص الشخصيات، وتقدم لهم قصصاً بحبكات وأحداث مشوقة. وتعد هذه القصص وسيلة مساعدة جديدة للأهالي المشغولين، في حين تقدم للأطفال راوياً قصصياً يتفاعل معهم بكل أناة.
ومع ذلك، يتوقع 31% من المشاركين أن يختار الأطفال الحيوانات الرقمية بدلاً من الحيوانات الأليفة الحقيقية، وهذا يشير إلى أن الحيوانات الرقمية قد صدرت نسخة رقمية محدثة خاصة بها.
صحيح أنّ الذكاء الاصطناعي قادر على إثراء حياة الطفل، لكن ينبغي الحذر كثيراً عند استخدام هذه التقنية. لذلك، ينبغي للأهالي اتخاذ دور استباقي وإشرافي قبل استخدام أطفالهم لتطبيقات الذكاء الاصطناعي للتعلم أو سماع القصص. ويجب عليهم اختيار خدمات لديها سياسة خصوصية قوية لا تخزن بيانات الأطفال أو تفاعلاته الصوتية، ولا تسيء استخدامها لاحقاً. كما يمكنهم الاستفادة من أدوات المساعدة الرقمية الأبوية مثل Kaspersky Safe Kids، الذي يقيد المحتوى وينظم وقت استخدام الشاشة.
ومن جانبها، قالت رشا صليب، الأخصائية المعتمدة في علم النفس السريري والعيادي، والأخصائية النفسية المرخصَّة في العلاج الزوجي والأسري: ” خلال عملي في العيادة، راقبت بفضول وقلق كيف أصبح الذكاء الاصطناعي يشكل علاقات الأطفال وتعلمهم العاطفي. يمكن للتكنولوجيا إثراء اللعب، وتقديم المعلومات، ودعم الأهل المشغولين، لكن عندما تحل محل الاتصال البشري، يجب توخي الحذر. إذ يعتمد التطور العاطفي على محاكاة تعابير وأصوات واستجابات الأهل. وإذا تحولت أوقات القصص أو تنظيم العواطف أو الصحبة إلى الآلات، قد يفقد الأطفال عمق التفاعل البشري”.
يمكن للآلات محاكاة الدفء لكنها تفتقر إلى التغذية الراجعة العاطفية الدقيقة التي تعزز الارتباط الآمن والتنظيم المشترك. قد يتعلم الأطفال توقع ردود متوقعة بدل التعامل مع تحديات العلاقات الحقيقية مثل الإحباط أو الإصلاح. فالتأثير ليس ضارًا بالضرورة، لكن يجب أن يبقى الأهل حاضرين ويعطوا الأولوية للعلاقات. وإلا، قد يصبح الذكاء الاصطناعي بديلاً عاطفيًا، مما يخلط بين المحاكاة والتعاطف الحقيقي ويقلل الفرص للتواصل الإنساني الأصيل.”
وينبغي للأهالي أن يتعاملوا مع تفاعلات واستخدامات الذكاء الاصطناعي على أنها مساحة لعب رقمية، إذ يمكنهم تفعيل أدوات الرقابة الأبوية لتحديد مدة الجلسات، واختيار منصات قصص الذكاء الاصطناعي الموثوقة والمناسبة لأعمار أطفالهم، ومناقشتهم بخصوص طبيعة هذه القصص وطريقة إنشائها. ويجب أن يبينوا لأطفالهم أنّ الذكاء الاصطناعي أداة للاستخدام وليست صديقاً، وتشجيعهم على الإبلاغ عن أي تفاعلات غريبة أو مزعجة تماماً كما يفعلون في تعاملاتهم اليومية عادة.
فالغاية الجوهرية من استخدام الذكاء الاصطناعي هي لتعزيز التفاعل البشري، لا أن يستبدل السكينة والطمأنينة التي يشعر بها الأطفال عند سماع صوت الوالدين.
الحفلات والأعياد الرقمية
يتوقع 43% من المشاركين أن تنتقل الاحتفالات العائلية إلى مكالمات مرئية جماعية لتصبح هي الأصل لا الاستثناء، وهذا اتجاه بات اضطرارياً جرّاء الأحداث العالمية الأخيرة، لكنّه أصبح ضرورة دائمة للتواصل بين أفراد العائلات المشتتة. كما يتخيل 26% من المشاركين قضاء إجازات عائلية من خلال الواقع الافتراضي بدلاً من القيام برحلات حقيقية. وربما يبدو هذا الطرح ضرباً من الخيال العلمي، إلا أنّ الاستخدامات الحالية للذكاء الاصطناعي التوليدي لم تخطر ببال أحد قبل 10 أعوام.
تبين تلك النظرة المتباينة أنّ مستقبل الأنشطة الرقمية العائلية لن يحدث دفعة واحدة، بل سيحصل تدريجياً عبر سلسلة من عمليات التبني المرهونة بالانفتاح الثقافي والبنية التحتية الرقمية. وفيما يتعلق برواد الأمن السيبراني مثل شركة كاسبرسكي، يفرض هذا المشهد المُتطور مسارات جديدة للمخاطر تتربص بأكثر المساحات والأماكن خصوصية: المنزل الذكي.
تجهيز المنزل رقمياً لمواكبة التحولات العائلية في المستقبل
يتوقع 43% من المشاركين أن تصبح الروبوتات المنزلية من أفراد العائلة. ويتجاوز هذا المفهوم الوظيفة التقليدية للمساعدين الشخصيين الذين يعملون بالأوامر الصوتية أو المكانس ذاتية التشغيل، ليشمل رفقاء الذكاء الاصطناعي القادرين على التدريس وممارسة الألعاب، أو حتى تقديم الرعاية.
يرى المخترقون نقاط اختراق محتملة في كل جهاز إلكتروني جديد؛ بدءاً بنظارات الواقع الافتراضي وانتهاء بروبوتات رعاية الأطفال. لذلك، اتبع بعض التدابير للمحافظة على أمانك مثل تغيير كلمات المرور الافتراضية للأجهزة، وتحديث برامج الأجهزة دورياً، وتقسيم شبكة منزلك. استخدم برنامج Kaspersky Premium المزود بأداة مراقبة المنزل الذكي، التي تفحص شبكة الإنترنت اللاسلكي (Wi-Fi) المنزلية طوال الوقت، وتستعرض قائمة الأجهزة المتصلة بها ومعلوماتها التفصيلية مثل نوع الجهاز ونظام التشغيل وعنوان IP، وتنبهك عند اتصال جهاز جديد أو غير معروف بالشبكة.
فبينما يتنامى استخدام العائلات للروبوتات وأجهزة الذكاء الاصطناعي والواقع الافتراضي في منازلهم، بات الأمن السيبراني ضرورة لا أمراً ثانوياً.
يعلق على هذه المسألة سيف الله الجديدي، مدير قنوات المستهلكين في منطقة الشرق الأوسط وتركيا وإفريقيا لدى كاسبرسكي: «لا يؤدي التطور التكنولوجي المتسارع إلى تفريق شمل الأسر، بل يعيد تعريف مساحة التواصل المشترك بين أفرادها. يتجلى المستقبل في نظر الغالبية العظمى من الناس في انصهار التجارب الرقمية والمادية لابتكار أشكال جديدة من التواصل؛ بدءاً بانضمام الجد أو الجدة إلى حفلات أعياد الميلاد الرقمية عبر تقنية الهولوغرام، وانتهاء بمشاركة الأخوة في رعاية حيوان رقمي أليف في مكان بعيد. ويكمن التحدي والفرصة في توفير بيئات رقمية آمنة وهادفة، وضمان سلامتها واحترامها لخصوصية الآخرين، وبذلك تصبح هذه الأدوات وسيلة للتقريب بين الناس»
*أجرى مركز أبحاث السوق لدى كاسبرسكي هذه الدراسة في شهر نوفمبر 2025. وشارك في هذا الاستطلاع 3,000 شخص من 15 دولة هي: الأرجنتين، وتشيلي، والصين، وألمانيا، والهند، وإندونيسيا، وإيطاليا، وماليزيا، والمكسيك، والمملكة العربية السعودية، وجنوب إفريقيا، وإسبانيا، وتركيا، والمملكة المتحدة، ودولة الإمارات العربية المتحدة.

